حوار مع فضيلة الدكتور زين العابدين بلافريج.

 

س1: بداية نطلب من فضيلة الشيخ أن يعرف القراء الكرام بنفسه – نشأة و دراسة.

ج:نشأت في المدينة العتيقة بالرباط بجوار الجامع الأعظم، و دخلت كتاب الزاوية الغربية في سن مبكرة و قرأت القرآن على الفقيه بوطالب الشهير بالمدينة. و ثنيت بقراءة القرآن على الفقيه الكبير مدرس القرآن للأجيال السيد المحجوب المدور

رحمه الله بالجامع الكبير، و لازمت حصص الحزب معه و مع الفقيه ابن سليمان و غيرهم.

    و في الصغر تمتعت في جملة من تمتع بالعلامة الفقيه الشيخ خليل الورزازي، في الجامع الكبير، فكنت ألازم دروسه في التفسير و الفقه.

وفي سنة 1970انتظمت في دار القرآن بالرباط، فدرست فيها مقدمة في علم القراءات على الأستاذ عثمان جوريو، ومقدمة في أصل مقرأ نافع من النجوم الطوالع لابن بري على الأستاذ العلامة عبد الله الجيرري رحمه الله و أحكام التجويد على الشيخ مولاي على الشريف العلوي رحمه الله درسنا عليه الجزارية، و الأستاذ عبد الحميد احساين رحمه الله. و درست السيرة النبوية و الأعلام لعياض على العلامة الشيخ مولاي مصطفى العلوي.

وكنت أدرس موازاة مع هذه الدراسة في المدرسة العصرية، فدرست العربية و الرياضيات و التاريخ و الفرنسية              و الانجليزية بمدارس محمد الخامس بباب شالة.

و في سنة 1975التحقت بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، فدرست سنتين بالمعهد الثانوي، و من أبرز من أخذت عنهم، الدكتور محمود سيبويه بدوي، رحمه الله، أخذت عنه علم التجويد، و الشيخ عبد العزيز الشبل رحمه الله أخذت عنه الفقه،  و وعن الشيخ عبد الفتاح العشماوي رحمه الله التفسير، وعن الشيخ سعد عبد الرحمان ندا التوحيد. و عن الشيخ عبد الصمد الكاتب الفرائض، و هكذا الأصول و غيرها.

وممن درست عليهم في الكلية الحديث الشريف و الدراسات الإسلامية الدكتور محمود أحمد ميرة الحلبي درست عليه مصطلح الحديث أربع سنوات في الكلية و سنة في الدراسات العليا. ودرست على الدكتور أحمد علي طه ريان الفقه أربع سنوات،  و الدكتور مندور المهدي رحمه الله التربية و علم النفس، و الشيخ عبد الغفار حسن السندي الحديث                  و الفقه.ودرست علم التخريج و الجرح و التعديل عن الدكتور سعدي الهاشمي وكتب دراسات في كتب السنة عند الشيخ الدكتور ربيع عبد هادي المدخلي.ودرست التجويد على الشيخ عبد الفتاح المرصفي و الدكتور محمد سالم محيسين رحمهما الله  والعربية على الشيخ محمد يوسف.

وتخرجت من كلية الحديث سنة1401هـ-1981م ونجحت في اختيار الدراسات العليا بتقدير ممتاز95/100 في لجنة مقابلة مكونة من الشيخين المحدث العلامة حماد بن محمد الأنصاري و العلامة عبد المحسن بن حمد العباد، ودرست عليهما في الدراسات العليا, عن الشيخ حماد علم الطبقات و عن الشيخ العباد دراسات في كتب السنة, والمصطلح ونقد الحديث عن الدكتور محمود ميرة الحلبي,  و المناهج عن الدكتور أكرم ضياء العمري, و شرح الحديث عند الدكتور الشيخ سيد محمد الحكيم.

ولازمت مدة ليست بالقصيرة الشيخ حماد الأنصاري و أجازني، و شملني بواسع خلقه و جميل عطفه، وكانت لي عنده خظوة رحمه الله، واستفدت منه في الحديث و العقيدة.

وفي أواخر التسعينات الهجرية لازمت حلقة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني التي كان يعقدها في دار الحديث بشارع السحيمي من العصر إلى العشاء كل يوم في زياراته للمدينة.

وممن أدركتهم و حضرت لهم حضورا الشيخ عبد الفتاح القاضي رحمه الله، و الشيخ محمد أمين المصري وكان يعطينا دروس السيرة في المسجد الجامعة، و الشيخ محمد محمد أبو شهبة رحمه الله.

 وناقشت رسالة الماجستير في تخصص السنة و علومها سنة 1404هـ بالجامعة الإسلامية و الدكتوراه في التخصص ذاته بجامعة الحسن الثاني كلية الآداب الدار البيضاء سنة1990م.

س2: هل اختيار دراسة العلوم الشرعية كان رغبة ذاتية محضة لديكم، أم كان تمثلا لنصيحة من شخص تخصونه بالاحترام و التقدير؟

ج: اختيار دراسة العلوم الشرعية كان رغبة ذاتية حيث إن نشأة المسجد حفزتني على طلب العلم الشرعي، فقد نشأت في الجامع الكبير و كنت أحد أبنائه و أذنت فيه و أنا صغير و خطبت الجمعة في سن مبكرة في العشرين تقريبا، وكان والدي رحمه الله يحثني على ملازمة المسجد و قراءة القرآن و كان يحثني على حفظ المرشد المعين فشرعت في حفظه.

س3: ماذا أضافت الدراسة خارج أرض الوطن لتجربتكم العلمية، ورصيدكم المعرفي؟

ج: الدراسة في المغرب كانت قاعدة و أساسا, و الدراسة في المدينة المنورة كانت نهلا من مشارب متنوعة، فقد أدركت مجموعة من العلماء استفدت منهم، و معلوم أن تنوع المشيخة له أثر في التلميذ، وقد ذكرت منهم مجموعة. يضاف إلى ذلك عاملان آخران مساعدان الأول البيئة العلمية في المدينة و الثاني التفرغ و الحفاظ على الوقت. و المقررات الدراسية مفيدة بانية، فمثلا كتاب السنة و مكانتها للسباعي مقرر في مادة تاريخ السنة بالسنة الأولى، وختم تدريب الراوي للسيوطي في سنتين، و نيل الأوطار للشوكاني في أربع سنوات، و حفظ ألف حديث في مرحلة الإجازة. و الدروس العلمية الإضافية في المسجد النبوي حلقة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، و حلقة الشيخ عمر فلاتة رحمه الله في الروضة و حلقة الشيخ المختار الشنقيطي، هذه كلها يستفيد منها الطالب و قتها.

س4: نلحظ أن جهود فضيلتكم مركزة بالأساس على دراسة الحديث الشريف رواية و دراية، ترى لماذا كانت اهتماما تكم العلمية منصبة على هذا الميدان بالذات؟

ج: الاتجاه إلى الحديث له قصة ذكرتها للطلبة، ذلك أني متعلقا بالقراءات القرآنية تبعا للنشأة كما أسلفت، وكنت شغوفا بالقراء المعاصرين و زارنا الشيخ محمد عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله بدار القرآن سنة 1974، والشيخ محمد عامر،      و الشيخ إبراهيم عبد الفتاح الشعشاعي، وكنت أرغب في الدخول إلى كلية القرآن الكريم، إلا أني جلست في حلقة الشيخ الألباني سنة1975م بدار الحديث المدنية، فألقى الله حب الحديث في قلبي فدخلت كلية الحديث الشريف و العلوم الشرعية رحمها واحد و جسورها متقاطعة، فالاهتمام و التخصص لا يعني الانصراف الكلي عن العلوم الأخرى، فلا يليق بالمعتني بعلم من علوم الشريعة أن لا يدري علومها الأخرى و علوم الحديث أكثر العلوم تولجا، كما قال ابن الصلاح، و أهله قليلون في كل الأزمان.

س5: هذا يدفع بنا إلى التساؤل عن النشاط التأليفي للأستاذ الكريم إن في مجال الحديث و علومه، أوفى مجالات أخرى. نود إطلاعا منكم على ذلك؟

ج: العمل في الجامعة تدريسا و إشرافا و إدارة يأخذ أكثر الوقت، و هذا يزاحم جانب التأليف، و بالنسبة للتأليف هناك من لا يقرع بابه إلا عند الاقتضاء، و هناك من يسارع كما يظهر من بعض التآليف العجلى، و الذي تيسر إظهاره لحد الساعة   "كتاب النكت على ابن الصلاح للزركشي" دراسة و تحقيقا " منهج البحث في تا ريخ الصحابة و معاوية بن أبي سفيان نموذجا"، " منهج التجديد في دراسة السنة في البحث العقلي المعاصر"بحث محكم لجامعة اليرموك, وقد أجيز, بحث في أسباب تراجع الدرس الحديثي مقدم لجامعة دبي الإمارات و قد نشرته الجامعة ضمن أعمال المؤتمر الذي كان بعنوان       " علوم الحديث واقع وآفاق " بحث مقدم لجمع المصحف الشريف بالمدينة تحت عنوان"مصطلح الحديث وأثره في حفظ السنة ". وتحقيقات لم تطبع بعد, منها كتاب الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – لابن بشكوال. وكتاب" الأقوال والأفعال التي يلزم منها الكفر"لبدر الرشيد المنفي. " قواعد التحديث بين الإعمال و الإهمال " مقدم لمؤتمر جامعة دبي

س6: هل تعتقدون فضيلة الأستاذ بحكم كونكم أستاذا جامعيا أن الحيز المخصص لدراسة الحديث و علومه في المقررات الدراسية كاف لجعل طالب هذه العلوم قادرا على استيعابها ؟

ج: مادة الحديث تدرس في ثلاث سنوات في الكلية دون السنة الرابعة، و الحيز الزمني المخصص لكل مادة يراعى فيه سائر المواد، لذا لا يمكن طغيان تخصص على آخر إذا علم أن الدراسة عامة و ليست في تخصص دقيق، فإن العادة في الكلية أن تكون السنتان الأولتان في موضوعات الشعبة العامة، و في الأخيرتين يكون التخصص الدقيق، لكن شعبة الدراسات الإسلامية لم تسلك هذا المسلك منذ البداية. و باختصار مادة الحديث لم تأخذ الحيز الكافي كغيرها من المواد الأخرى التي   لم تجد زمنا كافيا. فمثلا مادة علم التخريج درستها للطلبة ابتداء من سنة 1986 ، وهي داخل مادة في السنة الثالثة تسمى "دراسات في الحديث"، ووجدت أنها تأخذ وقتا واسعا لأنها تطبيقية و تفتقر إلى تنفيذها في المكتبة،      و يكون على حساب الدروس الأخرى فهي بحاجة إلى أن تكون مستقلة، وقد استجاب النظام الجديد لجعلها كذلك وأخيرا فإن تطبيق علوم الحديث بحاجة إلى وقت طويل، و بغير تطبيق تبقى علوما نظرية لا تخدم الوسط العلمي الذي يطالبنا ببيان    درجات الحديث و مراتبها قبولا أو ردا.

س7: لا شك أن الأستاذ الكريم، قد لاحظ أن مجموعة من الشباب المتحمس لأمر الدعوة الإسلامية اليوم، تحمله بعض التصورات الخاطئة لبعض المفاهيم كالتمذهب مثلا على سوى التشنيع و التبديع، مارأي الأستاذ في ذلك؟

ج: أهل العلوم الشرعية يلاحظون أن هذا الباب مبتلى بجهالات، جهالة رفض المذاهب و التشنيع عليها، وجهالة التعصب   و الجمود و الاستفزاز، و المنصف يفرق، فإن المذاهب الفقهية السنية المعتبرة قد أدت للناس علوما و فهوماً، وظلت منذ نشأتها حارسا للفهم السديد، راعيا لتطبيق قواعد أصول الفقه و استنباط الفقه المعتبر بواسطته، وخرجت تلك المدارس أعلاما كبارا، ازدان بهم تاريخ العلم الإسلامي، و التراث الفقهي الذي خلفوه لنا شاهد صحيح على عقول كبيرة حملت علما غزيرا، وفهما صحيحا، وعند الغوص في المسائل الفقهية و كتب الفروع يتحدد الوزن الحقيقي لأعمال الفقهاء، ويغيب عن بعض الشباب الذين لا يعرفون قيمة التاريخ الفقهي أن المذاهب الفقهية المعتمدة كانوا  و لا يزالوا مصدرا أساسا في التفقه،   و أعلام المذاهب الفقهية المعتمدة كانت و لا تزال مصدرا أساسيا في التفقه و أعلام المذاهب المشهورة هم أعلام الإسلام مالك و أبو حنيفة و الشافعي و أحمد، وبنيت أصولهم على أصح القواعد المؤسسة على الكتاب و السنة و كان ذلك لطفا من الله و سدا للباب على من ليس للعلم بأهل قال ابن رجب، " فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين و حفظه بأن نصب للناس أئمة مجتمعا على علمهم و دراستهم و بلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام و الفتوى، من أهل الرأي و الحديث. قال: و كان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين. ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين. ولولا ذلك لرأى الناس العجب العجاب، من كل أحمق متكلف معجب برأيه جريء على الناس وثاب. فيدعي هذا أنه إمام الأئمة، ويدعي هذا أنه هادي الأمة، و أنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه و التعويل دون الخلق عليه، و لكن بحمد الله     و منته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم و أجره جسيم، وانحسمت هذه المفاسد العظيمة، وكان ذلك من لطف الله تعالى لعباده و جميل عوائده     و عواطفه الحميمة قال: فلا تقتضي المصلحة غير ما قدره الله و قضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين – رضي الله عنهم أجمعين. (1)

و الظاهر أن من يقع في تبديع المذاهب من الشباب لم يكن يدرك هذه المعاني التي يذكرها العلماء و لم  يعرفوا حقيقة المذاهب و خصائصه، بل توهموا مخالفة المذاهب للسنة، و سبب هذا التوهم ما يقع من مصادمة بعض الآراء الفقهية للسنة، أو تعصب بعض المنسوبين إلى شيء من المذاهب و صدوده عن قبول الدليل الصحيح، كما أن تجريد كتب الفروع المتأخرة عن الدليل و القناعة بالمنظومات و المتون زهد هؤلاء الشباب في قراءة كتب المذاهب.

    و الحديث عن هذا الموضوع طويل لا يتسع له السؤال.

س8: إلى أي حد يمكن أن نعطي لمفهوم السلف مثلا مفهوما مندمجا يجعل المقصد الاستيعابي يأخذ مكانته الطبيعية في المنهج التربوي الإسلامي؟

ج: مفهوم السلف الأصلي لم يتبدل و إن كان الناس قد خاضوا و لبسوا، فإنه عندما تطالعنا كلمة "سلف" نفهم منها من سلف من أهل العلم و الدين و الإيمان ، و استعمله العلماء بمعنى أخص فأطلقوه على من كان في القرون الثلاثة الأولى من الصحابة و التابعين و أتباعهم، فيقولون "ومن السلف من قال بهذا كابن مسعود و ابن عباس..." فالأصل في الانتساب إلى السلف هو هذا، و معناه أن المنتسب إليه يبغي التأسي بالسلف في العلم و الدين و الإيمان، و هذا المنهج يريد العلو في اغتراف العلم    و ترك التقليد، فلا يصح اختلاق الخصومة بين السلف و المذاهب إذ أن هذه مناهج عملية، و المذاهب تتفق في أصول الدين و الفقه و السلوك مع علوم السلف، و مالك الإمام الذي مذهبه تاج على رؤوس المغاربة انبنى مذهبه عقيدة وفقها      و سلوكا   و تربية على الكتاب و السنة و فهم سلف الأمة.

         إذا  تقرر هذا فمفهوم السلف بتحليه بالخصائص المذكورة و كونها أصلا لمناهج المذاهب و فهم الإسلام فهما صحيحا لا يمكن إلا أن يكون المنهج الكفيل بتقديم المنهج التربوي الإسلامي المنشود،إذ أنه الفهم السديد للإسلام .

س9: كيف يتفاعل الأستاذ الكريم مع الدعوات التجديدية من لدن العلماء الأجلاء، التي تروم التقريب و التوفيق بين كل المذاهب الإسلامية. و المناهج العقدية التي تكون في بعض الأحيان حجر عثرة في وحدة الصف الإسلامي؟

ج: إن قضية التجديد قد تكون وعاء مفيدا إذ التزمت ضوابط العلم و قواعد أصول الفقه، و ليكن في إطار المجالس العلمية   و مراكز البحث، التي يشرف عليها العلماء المؤهلون، أما عند  تغييب الضوابط المؤسسة للاجتهاد و التجديد فإنه يصبح الإحسان إساءة و انتهاكا لحرمة التعاليم الدينية، و كيدا للثوابت الشرعية القارة، و ذلك تحت أقنعة مختلفة مؤداها هدر الأحكام و إبطال جدواها، تذرعا بالمصلحة و ظروف الواقع، أو ربط علل الأحكام بالزمان و المكان القديمين.

   أما عن دعوى التقريب فقد أكثر الناس عنها، و المراد التقريب بين المذاهب العقدية المختلفة، أما المذاهب الفقهية فلا حديث عنها لأنها ليست مقصودة. و إذا كان التقريب يروم التوفيق بين العقائد المتباينة، فإن التقريب يجب أن يكون بمعنى (تعالوا إلى كلمة سواء ) وهو الرجوع إلى الأصول و تحكيم الكتاب و السنة الصحيحة وفهم سلف الأمة من الصحابة        و الأئمة العلماء المتبوعين، و أخذ العقائد و المناهج قبل حدوث تلك الأهواء و البدع في الأمة. فبالرجوع بالجميع إلى هذه الأصول تتساقط العقائد الرديئة و تحل بدلها العقائد الصحيحة. أما أن يكون التقريب بمعنى تجاوز كل من المختلفين عن الاختلاف الحاصل بينهما، و تلفيق منهج من أفكار الفريقين، فالمتيقن لا يتنازل و إنما هو شأن المرتاب.

         و تتفاوت المذاهب العقدية في قربها و بعدها من الحق، و أشدها ما كان مرتابا في الأصول الشرعية مشككا فيها، ومن اعتقد ما خالف بمعتقده الإجماع، فهذه لا تقريب معها قبل التراجع عن هذه المخالفات المخلة بالمعتقد، بل كيف ترجو التقريب مع من زاد في أصول الإسلام و قواعده، أو من قال بخطأ الرسالة كالغرابية، أو يرى الشهادة بالزور على المخالف كالخطابية، أو جعل دينه شتم الصحابة و التعريض بتاريخهم المشرق. أم كيف ترجو التقريب مع من يشوش على أهل الإسلام بنقض إجماعهم في الحلال و الحرام فيحل ما حرم الله كزواج المتعة و الجمع بين المرأة و عمتها و المرأة            و خالتها.

        فالدعوة إلى التقريب مع هذا الواقع غير ممكنة، و الداعي إليها إما أنه يخفى عنه حال المخالفين فأخذته العاطفة فتراه يثير الموضوع بحماس، و إما أنه عارف لكنه يطلب المحال. وقد وحدنا الكتاب و السنة و عليها قامت مذاهب أهل السنة من مالكية و غيرهم، فمن ابتغى الهدى في غيرهما فشأنه الإنحراف.

س10: من خلال ما تفضلتم به من الحديث فضيلة الأستاذ، ألا تعتقدون أن بعض المنابر الخطابية الدعوية اليوم، ربما تحتاج إلى مراجعة شاملة لخطابها، حتى تتجنب ترسيخ الفهم الوحيد للنص، محل الاستنباط، و أن لا تضيق واسعا؟

ج: المنابر الخطابية بحاجة إلى مراجعة لأجل تقديم الخطابة النموذجية مضمونا و إلقاء، وان البلد لا ينقصه المؤهلون و لا يعوزه الخطباء، لكن يبدو أن الأمر ترسخ على هذا النحو الهزيل الذي أصبحنا نعير به، وتتقاذفنا من أجله الألسنة، ولايشك المنصف أن هذا الواقع له أسباب قد تظهر و قد تخفى، ومما ألمسه دائما باعتباري قضيت سنوات في تدريس الحديث لطلاب المعهد الإسلامي العالي في الدار البيضاء، أن الطالب يركز على تلقينه المنظومات و الحواشي و لا يساعد على أن يصبح قادرا على الاستنباط و التعمق و الارتقاء إلى مرتبة التفوه في الإلقاء و الإفصاح، و أفهم أن الطالب إن وجد أستاذا يفصح ساعده على أن يكون خطيبا، كما أننا لم نر أن مادة الخطابة التطبيقية يأخذها أولئك الخريجون، و هناك من الخطباء من يمر من غير هذه القناة، فاجتمعت إذن بعض أسباب.

    أما عن مناهج الخطباء في الفهم و مدارسهم في التلقي، فتلك قضية أخرى، و لا ينبغي أن تسخر المنابر الموقرة إلا لخدمة العلم والحق، و إيصال الخير إلى الناس، و التوعية المسترشدة، فهي أعلى و أشرف من أن تكون تكأة إلى أغراض خارجة عن غرض العلم و تنوير الناس، كما يجب تطهيرها من الأحاديث الموضوعة و التي لا أصل لها و الغرائب التي يحلو للبعض أن يرددها من غير خطام و لا زمام و كذا الخرافات و الأساطير التي تحكى على هذه المنابر، و كذا الأحاديث الواهية، فضلا عن الأفكار الخاطئة، و أنا سمعت في الجمعة من يذكر حديثا منكرا ينسبه إلى صحيح البخاري، و قضية تطبيق الفهم الواسع للنص إن وجد من يسلكه فهو خطأ، فالنصوص منها ما لا مفهوم له متعدد، فهذا لا يصح توسيعه فإنه خلط و انحراف، و أما ما تعددت معانيه و أمكن أن يغترف منه و ينهل على تلك المعاني المختلفة فهذا لا يضيق، فلا شطط و لا تهوك في شرح النصوص، و أشدها في هذا تحريف معنى النصوص لأجل أغراض حزبية. أما الأغراض المدرسية العلمية فهذه مجال مناقشة و مجادلة قد يرسو فيها الناس على شيء.

     فعندما يثار موضوع ترسيخ الفهم الوحيد للنص يظهر جانبان: جانب من يضيق واسعا و جانب من يوسع محددا،        و كلا طرفي قصد الأمور ذميم. على أن خطب الجمعة ليس في الأصل مجالا للقضايا الخلافية و المناقشات الداخلية أو الجدل الداخلي، بل هو منبر لتصحيح العقيدة و ترسيخ مبادئ الإيمان في النفوس، و شرح دعائم الإسلام العظام، والتوعية الرشيدة، و تهذيب الأخلاق و السلوك، و تعليم البر و الصلة و الرقائق، و الحلال و الحرام، و معالجة الظواهر

المنحرفة عن القيم و الأخلاق الإسلامية، و التحذير من محبطات الأعمال و نواقض الإيمان، و عرض تاريخ الإسلام في نضرته و إشراقه و وضاء ته خاليا من تحريف المغالين و تأويل الجاهلين و انتحال المبطلين، متوازنا في الترغيب          والترهيب، ليس ترغيبا مجردا يسلم إلى الاغترار و أمن مكر الله، و لا ترهيبا ليس مشفوعا بترغيب فيقتل القلوب رعبا       و فزعا لا يبقى معه أمل و لا رغبة.

       و الموضوعات الكبرى ذات المعاني الواسعة لا يصح التحكم بتضييقها، و المنهج في ذلك و غيره دوام الصلة بموائد العلماء العلمية، ولا يطرق حكما ليس له فيه سلف و لا تسنده قواعد، و لا يتجاوز الخطيب حده في ركوب متون المجازفة  و المخاطرة فالخطابة اليوم يغلب أن لا يتولاها العلماء، و ليحذر إشغال الناس بالخرافات و الأساطير و أحاديث القصاص فيورث فيهم قابلية ساذجة و تفكيرا تافها، و ليلزم التحقيق و التدقيق في جمل خطبته، وما قصر عنه فهمه راجع من يتأهل له. و لا يهول فيما لا حاجة إلى التهويل فيه، و لا يتساهل فيما حقه الزجر، و ليكن فقيه خطابة الجمعة راميا ببصره على الدوام إلى واقع الناس و أحوالهم.

س11: نعرف جميعا أن لفضيلتكم مساهمات ميدانية قيمة في تنوير الشباب المسلم المغترب بديار المهجر و المسلمين هناك بصفة عامة. كيف يرى الأستاذ إقبال تلك الجاليات على دينها الإسلامي؟

ج: إقبال الجاليات المسلمة المقيمة خارج ديارها على الدين يثلج الصدر و يبعث على الطمأنينة، فالمساجد و المراكز تغص بروادها في الجمع و رمضان و الأعياد، وفي سائر الأيام لا يخلو الأمر من ترصيص صفوف في الصلوات الخمس، و أما عن الوعي الديني و درجته و كيفيته، فالوعي الديني فيهم متفاوت بحسب الجهات و أعمار الناس و مستوياتهم الثقافية، فدرجة الوعي الديني أحيانا تكون عالية مشرفة، و أحيانا متدنية، فإن من هذه الجالية أساتذة يختصون في علوم أوأدب أو غير ذلك، و هؤلاء ينسجم معهم حديث الدعوة و خطاب التوعية، ويسهل على المخاطب إيصال المراد إليهم، و أما غير هؤلاء من عامة الناس فإنهم بحاجة إلى خطاب خاص يراعي درجتهم في الفهم و طاقتهم في استيعاب الخطاب، فيجب حينها تحديث الناس على قدر عقولهم.

    ونسبة الاستقامة الدينية هناك ليست بالقليلة، ولو جردت أحوال هذه الجاليات لطالعتنا قوافل العائدين إلى الله، الذين كرهوا أوحال المعصية، و استنكفوا عن الطرق الغير مجدية، فقد تراجع الكثيرون عمالا يليق و تهذبوا في غربتهم، ولعل من الأسباب استشعار المسلم عزة الديانة في غير وطنه، والإحساس بدافع ينبعث من داخله يقوده إلى طريق الله، كما أنه بضدها تتميز الأشياء.

     وأما عن كيفية التدين فألاحظ عن قرب و مداخلة أن نسبة الاعتدال و الاستقامة غالبة بحمد الله، سلوك وسطية التدين بعيدا عن الغلو و الإسراف، أو التقصير و الاحجاف، ساعد على تحقيق هذا البعثات الدينية المترددة على تلك البلاد،         و الدروس المنتظمة و الدورات العلمية المقامة بمعدل مرتين أو أكثر في السنة، و للدروس المنهجية أثر بالغ في هذا التهذيب حتى إنهم درسوا أبوابا عقدية في الإيمان لتهذيب التدين و التجافي عن التكفير و احتقار المسلمين، فإن معرفة الحق رحمة للخلق،  في قناعتي هذا الذي يفي بغرض اعتدال التدين لدى المسلم أينما كان، و من مهمات هذا الباب التحذير من الغلو و العقائد الغالية المنحرفة، كعقائد الرافضة الذين أساس دينهم سب الصحابة – رضوان الله عليهم - و ما ثثيره عقائدهم و أحكامهم من تشويش و توهيم على المسلمين. ثم بعدهم بعض الجماعات التي هي في الدائرة إلا أنها حادث عن الأصول    و علمت الشباب التواقح و الوقيعة في أعراض العلماء وأحيت نعرات بائدة، كالأحباش، وبعدهم القاديانية التي تلقبت اليوم بالأحمدية فإنهم يعتقدون استمرار النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه و سلم، و أنه ليس النبي الخاتم، و لهم تواجد في أوربا                   و أمريكا و في كل مكان، ومن غريب مكرهم قولهم للناس " إن الله رفع عيسى و أمات محمدا، فمن الأفضل المرفوع أو الميت ؟" هكذا يشوشون على عقائد المسلمين أعاذنا الله من الأهواء بمنه.

س12: و ماهي العوائق التي تعترض سبيل الدعاة بأراضي المهجر بالغرب؟

ج: أقدر أن من العوائق التي تقف في وجه الدعاة بديار الغرب تشكيلة المجتمع المتنوعة، وقيام دعوات منحرفة، و تنظيمات متحزبة، فالمعتقدات المنحرفة تحتاج إلى علماء و ليس إلى مجرد وعاظ و مرشدين، إذ بابها معرفة أصول الدين و الخبرة بأصول الفرق و المذاهب، والتنظيمات المتحزبة غلب عليها عدم التحاكم إلى قواعد العلم، بل أخذ الأمور بالاستحسان،     و هؤلاء يشكلون عائقا أمام الوعاظ و الدعاة، ومنها أيضا بعض تصرفات المسلمين الهوجاء، وسيرهم المشينة ينعكس على الدعوة بالعرقلة و التراجع. و فيها تنوع انتماء القائمين على الدعوة، فالدعوة تترسم العلم و قواعده و الفقه و أصوله، ليست كدعوة لا تعرف إلا الصياح و رفع الشعار و الهتاف، و لا يقدم عليها أهل علم، بل شباب غلبت عليه الحماسة و لما يتزن برزانة العلم، وهذه في تقديري من أكبر العوائق.

س13: كيف يمكن للعلماء المسلمين اليوم، أن يوضحوا حقيقة هذا الدين هناك، خصوصا بعد التطورات و الأحداث التي شهدتها الساحة العالمية. وما أعقبتها من إذكاء النعرات الحاقدة

ج: هذا الواجب اليوم أكثر من أي وقت مضى، فليس للمسلمين إلا أن يعرضوا هذا الدين الحنيف الخاتم في حقيقته وصفاته، وشرح مبانيه ومعانيه، وكونه دين الله المرتضى للعالمين (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا و نذيرا ) (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وقنوات الإيصال متعددة، فالعلماء في مقدمة أهل البيان من خلال منابرهم العلمية و أقلامهم، و الدعاة      و الخطباء في دروسهم و خطبهم، و الأساتذة في الجامعات من خلال الدروس المنهجية و الندوات، و التصدي للإعلام المغرض أيا كان، ورد عدوان القلم وطيش العبارة، وصد الحقد و التشويه، و إقامة العلاقات العلمية و الاجتماعية مع أصحاب الشأن، و استدعاء المثقفين و من يرجى إنصافهم لمعاينة حقيقة المسلمين العاملين بالإسلام، كالمستشرقين           و المستعربين، شعارنا في ذلك (لااكراه في الدين) وما ذاك إلا لوضوح شرائعه و جمال أحكامه. وضرورة التفريق بين الإسلام دين الله للعالمين و بين أخطاء بعض المسلمين و ما يرتكبونه من الإساءة، فلا حق لأحد أبدا أن يلصق أخطاء الناس بدين الله.

س14: ربما صح القول إن المواجهة الثانية بعد مواجهة الأسلحة هي مواجهة المفاهيم.إذ كل يمتطي صهوتها بالطريقة التي يشاء، فمن إنتاج مفهوم التطرف و إلصاقه بالإسلام إلى وصم الإرهاب و هكذا دواليك، برأي الأستاذ؛ ماهي الخلفيات الحقيقية و راءها؟

ج: إن المتأمل في مغالطة المصطلحات ليدرك أنها حرب يرجو أصحابها أن تكون أنجح من حرب السلاح، فهم يركنون إلى الولوج إلى نفوس محاربيهم. وبث الشك فيهم و تصوير انهزامهم، برفع كلمات و شعارات يمعنون في القذع فيها و تجريم أصحابها، حتى إذ استقر ذلك في واقع الناس وأشبه أن يكون اتفاقا أنزلوا تلك الأوصاف بمن شاءوا و الواجب أن لا تغتر بهذه المصطلحات و الإجمالات و أن لا نسلم بالهيمنة و التحامل. و أن ندرك الخلفيات الحقيقية وراء هذه الهجمة هجمة الألقاب و النعوت، و أن لا ننسى أنها حرب العقيدة و الدين (ودوا لوتكفرون كما كفروا فتكونون سواء).

     لقد أيقن الناس أن الإسلام قادم، وأنه الظاهر على كل الأديان، وأصحابه يزيدون و لا ينقصون، و لما يشهد المسلمون من مراجعة دينهم، فأعلنوا بالقول و الفعل الحرب عليهم.

س15:كثيرا ما نسمع من بعض المشتغلين بتحليل أوضاع العالم الإسلامي.أن الرهان الوحيد للخروج من هذه الوضعية يكمن في حوار الأديان و الاندماج الكوني. و تبنى مقاربة التفاعل الإيجابي دون الإغراق في تغذية التميز، ما تقييمكم لهذا المنهج؟

ج: حين نقوم أي وضعية يجب النظر في أسبابها و ما يثيرها، و لو أن الناقمين على الإسلام و أهله تركوا المسلمين           و شأنهم و طبقوا ما تستوجبه حرية الاعتقاد التي ينادون بها لعاش الناس في أمن و أمان، لكنهم لا يكفون أيديهم و ألسنتهم وأقلامهم.

  

                                                         حاور فضيلته الطالب:إدريس صابي